ليالى تركستان (12)

ليالى تركستان (12)


 


 

كنا على الجبال، وقال عثمان باتور في اجتماع حاشد بجبل آلتاي:

-                 أيها الرجال الصناديد...

"إن اليوم يوم عصيب ودقيق، ويتوقف عليه مستقبل بلادنا، ربما لأجيال، وصراعنا على هذه الأرض طويل، منذ طمع فينا قياصرة الروس، بتحريض من المتعصبين الأوروبيين ادعياء المسيحية، ومنذ امتد بصر الصينين من عشرات السنين إلى بلادنا العظيمة.. أرض البطولات.. والأمجاد .. والمعارك الإسلامية الخالدة.. منذ أن اجتزأ كل عدو قطعة من أرضنا، في غفلة من الأمراء والحكام اللاهين، لا أريد أن أتحدث أيهغا الرجال عن الماضي كثيرا، وإنما أردت أن أقول إن تحرير أرضنا لن يحققه لنا أحد، على أكتافنا وحدنا ينهض بناء الحرية، كذب علينا الروس حينما عرضوا لنا العون، وكذب علينا الصينيون حينما زوقوا لنا الأمنيات الحلوة في الحرية والاستقلال، وها أنتم ترون بلادكم تحكم بالحديد والنار، ويساق الآلاف إلى ساحات الإعدام، ويساق مئات الألوف إلى المعتقلات، لقد أبيدت أسر تركستانية بأسرها، وقادتنا العظام قادة التحرير لم يعاملوا كأسرى حرب عندما وقعوا في أيدي العدو، وإنما قتلوا أشنع قتلة، ولوثت سمعتهم وشرفهم، وهم خير من أنجبت أرضنا الطيبة، وهم الآن يحاولون خلق جيل مخدوع ضائع من أبنائنا في المقاطعات القرى والمدن، ويزعمون أنهم يريدون نشر العلم والتقدم في بلادنا."

"أيها الأبطال! إننا نحارب من أجل تحرير أرضنا، ونكره العدوان في ي صورة من صوره، وندافع عن ديننا الإسلامي الحنيف، وتراثنا الحضاري العريق.

إن حربنا اليوم جهاد في سبيل الله، وعلينا أن نضرب ضربتنا حتى تقصم ظهر العدو، وعندما نتحرر فسنكون أصدقاء للجميع، فبلادنا لا تعادي أحدا، ولا طمع في أحد، غنية بالخيرات والأمجاد يجب أن تكون لنا، ألسنا شعبا جديرا بالحرية؟ لقد يئس العدو من القضاء على حرب العصابات التي قمنا بها، قاموا بحملة فتك الأهالي وسطوا على الشعب بغيهم وانتقامهم، واليوم لا مناص من الحرب الشاملة الكبرى.."

ودوى الرجال بالهتاف والتكبير، وفي الأيام التالية أخذت الجموع تزحف زحفا كبيرا، كانت قوات العدو تتراجع في ذعر، وأصبحنا على بضعة أميال من أورومجي، فأخذت قوات الشعب تكيل الضربات لقوات العدو الباقية في التركستان الشرقية، وتراجعت تلك القوات إلى تركستان الغربية، وكشف تقهقر العدو عن حقائق عجيبة، كانت مختفية تحت وطأة الاحتلال، فقد ظهر فعلا من السجلات التي تركها العدو أثناء تقهقرهم أن هناك عائلات تركستانية بأكملها قد اختفت تماما، كما بلغ عدد المعتقلين في معسكرات الاعتقال ثلاثمائة ألف، وقد روى المعتقلون الذين أفرج عنهم بعد الانسحاب قصصا رهيبة من التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له في معسكرات الاعتقال، وكانت الصور التي رسمها هؤلاء المفرج عنهم مما تقشعر لهوله الأبدان، ولم يعثر أهل الضحايا على جثث شهدائهم فقد كانوا يخفونها ويعملون على إبادتها بوسائل عجيبة، وقد عثر بالمصادفة على جثتين في أحد المناجم المملوءة بالغازات الخانقة تبين فيما بعد أنهما للسيد خوجة نياز والجنرال شريف خان أحد قواده، كما حدث نتيجة للأمطار الشديدة أن انهارت عمارة تشغلها إدارة الاستخبارات (ج. ب. أو) والتي كان يعتمد عليها العدو في البطش بخصومهم، ووجد تحت أنقاض هذا المبنى هياكل بشرية بلغت ثلاثة آلاف هيكل، مما يدل على أنه كان يوجد تحت البناء المتهدم سجن لأفراد الشعب، وأنهم ماتوا فيه دون أن يعني أحد بأن يفتح لهم الباب أو يسأل عن مصيرهم، وخرج أبناء الشعب التركستاني من كل الطوائف ليشهدوا المأساة التي لا مثيل لها.

قالت نجمة الليل والدموع تنهمر من عينيها:

-     كيف مات هؤلاء؟ إنني يا مصطفى لا أستطيع أن أستطرد في خيالاتي، أليس هذا منتهى القسوة؟ آه... الحجرات المظلمة.... الاستغاثات التي لا يلبيها أحد... الجوع.. الظمأ... السياط الخارقة... كان فيهم من يحلم بزوجة وأطفاله، وبفتاة وهبها قلبه.. يا إلهي! أيمكن أن يحدث هذا في العالم؟ لعنة الله على الأعداء، ماذا يريد منا هذا العدو؟ كيف يرجى خير من وراء قوم فعلوا هذا الفعل البشع؟ انظر الهياكل المتعانقة، إنهم ماتوا وهم يحتضنون بعضهم بعضا، وهناك هياكل ماتت ميتة القرفصاء، لا شك أن البرد كان شديدا، كانوا يتضرعون إلى الله وهم في أتعس الأوصاع، هؤلاء الذين عاشوا طلقاء في الغابات والجبال في بلادنا الجميلة يوتون على هذه الصور الرهيبة... اللعنة على الكافرين..

أمسكت بيدها قائلا:

-                 عندما يموت الإنسان لا يشعر بشيء بعدها، لا تعذبي نفسك.

-                 العذاب لنا نحن، ويجب أن نتألم، حتى تتولد في أعماقنا طاقة كراهية خالدة لكل الطغاة...

-                 عزيزتي، إننا نطاردهم في كل مكان..

وجففت نجمة الليل دموعها وقالت:

-                 يا مصطفى ، لا أستطيع الاستمرار في السير معكم.

-                 لماذا؟

-                 يبدو أن بين أحشائي جنينا.

نظرت إلى الهياكل المعثرة تحت الشمس والمطر، ونظرت إلى نجمة الليل ووجهها الشاحب المتألم، وهمست في أذنها:

-                 إذا رزقنا الله بولد فسوف نسميه خوجة نياز.

ابتسمت في مرارة وأخذتها غلى البيت الذي سنقيم فيه. وقلت:

سوف أرحل بعد أسبوع، إن مقاطعتي إيلي وآلتاي الغنيتين بالمعادن والثروات يجب أن ننتزعهما من أيدي العدو.

واستمرت المعارك القاسية، والأعداء يولون الأدبار، والتقى بنا عثمان باتور في لقاء خاص ضم عددا غير قليل من القادة، وقال:

-                 أيها الرجال! هل علمتم بما فعله الحاكم الصيني لتركستان؟

تركزت أبصارنا إليه، وقال بهدوئه المعهو:

-                 إنه يقبض على حلفائه.

كانت مفاجأة مذهلة وصحنا في صوت واحد:

-                 كيف؟

-                 لعبة السياسة والمصالح لعبة قذرة.

-                 لكنهم حلفاؤه وهم الذين أنقذوه.

-                 نعم أنقذوه ليملكوه، وليستغلوه ويستغلوا البلاد.. كان بملك ولا يحكم.

وكان واضحا ان الحاكم الصيني قد ضاق ذرعا بحلفائه ولم يستطع أن يفلت من أسر مستشاريهم وخبرائهم إلا بعد رحيل العدد الأكبر منهم، وبعد أن استطاعت قوات عثمان باتور أن تبدد جحافلهم وتفر هاربة، فانتهز الفرصة، واعتقل الرعايا الحلفاء، وأرسل لزعيمه يعتذر ويتأسف ويطلب منه العون ضدنا، إن الحاكم لا مبدأ له، وعلينا أن نستعد لجولة ديدة مع الصينيين بعد أن هزمنا حلفاءهم.

وأصدرت قيادتنا أمرا عاما بتكليف كل قادر على حمل السلاح بتقديم نفسه للاشتراك في تطهير البلاد من الجرذان الصينيين، ثم بعث عثمان باتور إنذارا إلى الحاكم الصيني وحدد له موعدا لمغادرة البلاد مع قواته، وإلا كان مصيرهم ميعا الهلاك المحقق.

كان الحاكم حائرا لا يدري ماذا يفعل، فقواتنا تحاصره من كل جانب ، والرسل التي أرسلها –ومنهم شقيقه- إلى عاصمتهم لم يأت عنها خبر، والشعب يتدافع إلى الموت من أجل الخلاص في ثورة عارمة تدعو إلى الفخر والإعجاب.

-                 ها نحن نلتقي مرة ثالثة يا مصطفى حضرت.

ونظرت فإذا بصديق العمر منصور درغا..

-                 آه يا منصور.. لشد ما تغيرت، إني أرى الشعرات البيضاء في رأسك، بالأحضان يا منصور.

لاحظت أن ذراعه اليسرى لا تتحرك، وأنه يدفع مدفعه بيده اليمنى، فاحتضنته في حب بالغ.

وعدت أنظر غليه، لقد ذهب الكثير من نضرة وجهه، ورأسه بدت صلعاء إلا من شعرات قليلة، لكن لحيته بقيت رمادية توحي بالإصرار العنيد، وفي عينيه حزن لا يريم...

-                 ما هي أخبارك يا منصور؟

-                 انتصرنا...

ضحكت، فلم يعد أحد يجهل هذه الحقيقة، وأدرك هو أن جوابه غير شاف.

-     وحبيبتي الغجرية ماتت، ذبحوها كما تذبح الشاة في وليمة فاخرة، كانوا يتقاسمونها كالوحوش، كانت تصرخ وتدافع، الحيوانات المفترسة تعرف الرحمة، أما هم...

وأكمل وهو يلوح بسبابته:

-     لا... لا... وانتشر خبر فراري من المعتقل، ليتني ما هربت، كان خيرا لي أن أكون أحد الهياكل التي عثروا عليها في مبنى المخابرات المنهار، تسألني لماذا؟ لقد بحثوا عني في كل مكان، ولأنهم فشلوا في العثور علي اختطفوا أسرتي كلها نساء ورجالا وأطفالا.. تسألني الآن مامصيرهم، فأقول بكل أسف.. ذهبوا..

ومعت عيناه:

- ذهبوا إلى من لا يظلم أحدا.

وجفف الدموع وتمتم:

-                 أتعتقد أني أسعد من هؤلاء الذين ذهبوا؟

أمسكت بيده وقلت:

-                 هيا بنا، فغن نجمة الليل كانت تريد أن تراك..

نظر إلي، كأنه يتذكر قصة قديمة عفا عليها النسيان:

-                 نجمة الليل؟

-                 نعم.. زوجتي.

-                 زوجتك؟...مستحيل... أنت تعرف..

ضحكت في ثقة وقلت:

-                 لقد اشتركت معي في عدة عمليات فدائية رائعة..

وكان يجلس إلى جوارنا صحفي جريح عاد لتوه وقال:

-                 أأنت مصطفى مراد حضرت؟

-                 نعم.

وضحك الصحفي في سعادة وقال:

-                 هنا منشور في أورومجي وفي آلتاي وكاشغر وقومول بخصوصكما..

-                 ماذا تعني؟

-     مبلغ من الذهب لمن يقبض عليك أو على نجمة الليل سواء أكنتما أحياء أو أمواتا، إذا هو أنت؟ إن قصتك مادة صحفية رائعة.

ونظرت إلى كتفي، وأشرت إلى الصحفي الذي هتف مقهقها:

-                 نجمة الشرف الأولى.

-                 نعم يا صديقي من عثمان باتور.

-                 وحكم الحكم من الحاكم الصيني.. ما أعجب الدنيا؟

كان القمر يرسل أشعته الوانية، وإلى جواري منصور درغا.

غمغم منصور:

-     مات أمير قومول، وأظنهم قتلوه، وتبدد الأمراء أو تحولوا إلى نماذج للشقاء والتعاسة، وانفرط نساؤهم في كل الأنحاء، الدنيا تموج وتفور بأحداث لا نهاية لها، لكأنما كتب علينا أن نقضي العمر محاربين..

-                 ليس هناك أشرف من الجهاد في سبيل الله، يا منصور..

-     أعرف، لكني أحيانا أفيق إلى نفسي، واتذكر الأيام الجميلة والطفولة البريئة، والأهل والغدير، لماذا ذهب كل هذا؟ هل لا بد أن يشقى الإنسان حتى يبلغ ينابيع السعادة؟ وأين هي السعادة يا مصطفى؟ ها نحن ننتصر، لكن الأمر لكثرة الانتصارات والهزائم أصبح أمرا هينا، أحيانا ينتابني هذا الشعور... اعذرني... فقد فجعت في الإنسان كإنسان، لماذا تموت زوجتي؟ ولماذا يموت العجوز أبي؟ وتراق دماء أمي وإخوتي وعشيرتي؟ قيل لي إنهم كانوا يتمتمون ببضع آيات من القرآن، وكان أبي يعلو صوته بآية الكرسي، كان الجلادون يضحكون.. لماذا يضحكون؟ مصطفى.. أريد أن ألتقي بنجمة الليل، أريد أن أسألها كيف عاشت مع هؤلاء الوحوش؟ كيف آكلتهم وشاربتهم؟ أكانوا بشرا؟

أدركت أن منصور متألم لما أصابه وأصاب أهله، وأن نوبات الحزن التي تحل به من وقت لآخر تثير ثائرته، وتكاد تذهب بعقله.

فربت على كتفه في مودة وهمست:

-                 أتؤمن بالله؟

-                 نعم.

-                 انهمرت دموعه، ثم أخذ يغمغم:

-                 (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)  (البقرة:156)

ليالى تركستان (11)

ليالى تركستان (11)

 
 

أحسست بقدر غير قليل من الراحة وأنا أقطع مغاور الجبال، وعلى القمم يقترب الإنسان من السماء، وتصفو الآفاق، وتزيد برودة الجو، أشعر أن صدري تتفتح شعبه اكثر وأكثر، أشعر بأني طائر تنقصه الأجنحة، ونجمة الليل تمضي إلى جواريأو خلفي على ظهر الجواد، لقد لفحت الشمس وجهها الشاحب فبدا أكثر سمرة واحمرارا، ها هي تعود إلى صورتها الماضية في قصر الأمير، إنها سعيدة مرحة ولكن في شيء من القسوة، أحست في الأيام الأولى ببعض الضيق، لعدم مقدرتها في أخذ حمام ساخن كالنظام التركي، شعرت بغير قليل من الاشمئزاز حينما لم تجد أدوات الزينة إلى جوارها، وربما آلمها ألا تجد الهامات التي كانت تنحني لها صباح مساء من علية القوم، فالناس في الجبال على الفطرة، والنسوة يشاركن الرجال في كل شيء يتعلق بالعمل، كانت البيئة الجديدة التي حولها لا شك جديدة، وبرغم تلك المضايقات التي ذكرتها إلا أنها كانت متحمة للتجربة، ولا تخفى سعاتها، ومن آن لآخر تكرر القصة، كيف قتلته... نظرات الرعب في عينيه، التوسل، الرجاء، والكلمات المستعطفة التي تنسكب من بين شفتيه.

كنت أدرك أنها فخورة أيما فخر بما فعلت، وبعد رحلة شاقة بلغنا جبال آلتاي.

هنا مقر الجنرال عثمان باتور البطل الذي دوخ الأعداء والذي استطاع أن يمسك ببعض الخونة من أبناء البلاد المتشيعين للعدو، وكان عثمان باتور صارم النظرات، طويل الشارب، كث اللحية، كبير الأنف لحد ما، وكان هادئ الحركة، وسيما قليل الكلام، عميق التفكير، إنني أعرفه جيدا، وأعرف الكثيرين من الرجال الذين يناضلون إلى جواره، وكان يلبس الملابس الثقيلة أو السميكة اتقاء للبرد القارس في الجبال، ما أعجب هؤلاء الرجال، كانوا يصمدون لعواصف الطبيعةومكائد الأعداء، ويجابهون الموت والمكاره بشجاعة منقطعة النظير طوال سنوات، وكان شعارهم الذي يهز الجبال "الله أكبر... الله أكبر" وكان بالجبل العديد من مراكز الثوار، فكنت أقضي مع هذا المركز أو ذاك فترة من الوقت، وأحكي لهم تفاصيل المذابح والاضطهاد التي يرتكبها الأعداء في حق المواطنين، وأشترك في بعض الهجمات أو العمليات الخاطفة، وكان هدفي في النهاية أن أكون قريبا من عثمان باتور، حيث مجموعتي الأصلية التي أنتمي إليها، وأعمل معها، وسألتقي هناك مع مصطفى درغا...

وأخيرا نفق منا الجواد، ولجأنا إلى قرية صغيرة في الجبال يسكنها بعض المزارعين والرعاة، كان الجو قد بدأ يميل إلى الدفء قليلا، وبقينا في هذه القرية بضع ليال...

قالت نجمة الليل:

-                 إلى متى المسير؟

-                 لعائدين.

-                 هذا مرهق.

-                 تلك هي الحرب.

-                 لا أعني ذلك.

-                 ماذا تريدين.

-                 آن أن نتزوج، إنك دائما لا تغتنم الفرص، أتذكر آخر لقاء لنا في قصر الأمير، ليتك فعلت....

أمسكت بيدها في حنان فأخذت يدي ولصقتها بخدها، وبقينا هكذا وقتا طويلا، ونظرت بعينين تفيضان رقة وحنانا.

-                 إلى متى نبقى هكذا؟

-                 لا شك أن بالقرية أحد العلماء.

-                 سأجري أبحث عنه.

-                 دعي هذا الأمر لي.

-                 إنني في قمة السعادة.

-                 نحن نغامر.

-                 ولم يا مصطفى؟

-                 أترى سنعيش حنى ننجب أولادا ويكبرون ونسعدهم؟

-                 دع الأمر لله.

كان زواجنا مختصرا جميلا، شاركنا فيه أهل القرية، فرقصت الفتيات، وغنى لنا الرعاة أغانيهم الجميلة، ودقت طبولهم الحلوة التي تهز القلوب، وأكلنا وشربنا، وقضينا عشرة أيام ممتعة كأنما اختلسناها من الزمن، وباعت نجمة الليل ما تمتلك من مجوهرات، واشترينا جوادين، واستأنفنا المسير.

-     هناك يا حبيبتي. الرجال الشجعان، سنعيش، إنهم مجتمع كامل بنسائه ورجاله وأطفاله، الكل لا يعرف شيئا سوى الحرب.

-     الحرب هنا معناها الحياة والحرية، الحرب فريضة في سبيل الله، وعندما ننتصر ونصبح سادة في بلادنا سنبأ حياة أجمل وأروع...

ابتسمت ونظرت إلى الآفاق التي توشحها الغيوم وقالت:

-                 أهناك أجمل وأروع من هذه الحياة التي نحياها الآن؟

-     نعم يا حبيبتي ... عندما يحل السلام، وترجع بلاد الإسلام للإسلام، ويفر الأعداء، عندذئ نستطيع أن ننعم بالحياة، ونكون سعداء حقا، إننا يجب أن نعيش لمعنى كبير، أكبر من الحب الذي بيني وبينك، ستكون تركستان كلها أغنية حب خالدة، وسنكون أنا وأنت وأمثالنا سر روعة الأغنية المقدسة، وسر خلودها، تلك هي الجنة على الأرض.

ليالى تركستان (10)

ليالى تركستان (10)

 
 

إني أعيش في بيت أحد أعدائي، إنه ليس مجرد عدو، غريم استولى على من كنت أحب، يخيل إلي لو مضى علي في هذا المكان عام لتحولت إلى آلة، إلى إنسان شبيه بنجمة الليل، فالحياة الهادئة وتوافر الطعام والملبس والهدوء والركون إلى عيش جميل كهذا يقتل في الإنسان روح الثورية والجهاد، مشكلة أخرى أنني أرى في عيني نجمة الليل أشواقا غريبة حادة، أصبحت أخجل من نظراتها، وفي أغلب الأحيان أهرب منها، وأجد نفسي في كثير من الليالي أفكر فيها، وأغار عليها، هذا البيت تسكنه شياطين من نزوات وخطايا، بالأمس أقيمت في البيت حفلة راقصة، اختلط الحابل بالنابل، كانت نجمة الليل لا شك هي نجمة الحفل، العيون تلاحقها، كل الضباط يريدون مراقصتها، وشرب زوجها حتى ثمل، لكنهم في الفجر استدعوه لمهمة عاجلة فخرج يترنح بعد أن ارتدى معطفا سميكا، الأمر يبدو عاديا، لكني وجدتها تأتي إلى غرفتي، ازداد وجهها شحوبا من كثرة السهر، أحاطتني بذراعيها ووجدت شفتيها تقتربان..

-                 سيدتي.. يجب أن أعد طعام الإفطار.

-                 لست أشتهي شيئا، وأنا لست سيدتك.

-                 القصر كله عيون.

-                 لا أستطيع الصبر.

-                 ما معنى ذلك؟

-                 ألا تفهم؟

-                 وأنا أكره الخيانة.

-                 خيانة الخائن ليست خطيئة.

-                 وأنا رجل مسلم أعرف الله.

هل كانت تريد الانتقام من زوجها، أم تريد أن تقدم نوعا من العطف أوالشفقة، أهو الحب القديم ثار وتمرد؟ وأمسكت بيدي في توسل، وأنا أهرب من نظراتها ولمساتها مخافة ان تضعف مقامتي، وهمست في انفعال:

-                 على سفوح الجبال رجال يتضورون عذابا وجوعا.

-                 هم رجال حقا، لكنهم يعيشون حياتهم.

-                 في الحدود التي أباحها الله.

نظرت كذئب جائع مفترس وقالت مهددة:

-                 أنت تعرف أنني أستطيع عقوبتك.

-                 أهذا هو الحب؟

-                 نعم.

-     عندما يضمك سجن من سجونهم الرهيبة، ويلفك الصمت والظلام، وتهوي السياط على جسدك، عندها سوف تحلم بدقائق تقضيها إلى جواري.

قلت لها في ثقة:

-                 لقد نذرت نفسي للموت.

-                 أنت تلعب بالنار، أنت زوجي الحقيقي.

-                 لكنك في عصمة رجل أسلم، وإن كان إسلامه أمرا ظاهريا.

-                 إذن لماذا أتيت إلى هنا؟

باغتني السؤال، صحيح، لماذا أتيت؟ لقد كنت أفكر في الانتقام طوال حياتيمن هؤلاء المعتدين، لكن أين الانتقام؟ ودق قلبي، هناك حقيقة أحاول إخفاءها، لقد كنت أحب نجمة الليل، إن قبولي المجيء إلى هذا القصر يمت إليها هي الخرى بصلة،وتركتني وانصرفت، لم أرها طوال اليوم، وبقيت أفكر لماذا ساءت الحال؟ وتحكم في أرضنا الغريب، قال لي في الزمن الغابر أحد خطباء مسجد "كاشغر":

-     يا بني إن الإسلام هو العزة، فمن تمسك به عز، ومن تركه ذل، وبلادنا استسلمت في نوم عميق، وغلبت عليها الدعة والاسترخاء والعبث، وأخذ الناس ينسلون عن الدين عروة عروة... يا بني لقد طغى الغنى وضاعت الحكمة ورضخ العلماء للأمراء وعم الفساد والفقر والجهل، وانتشرت المعاصي، يا بني هذا هو بداية الانهيار. وقال أيضا:

-     إن في الشرق اعداء وفي الغرب أعداء، وهم يعتصمون ابلقوة والكثرة، ونحن نعتصم بأمجاد قديمة، والأمجاد القديمة لا تصمد وحدها.

وقال لي:

-     يا بني، المسلمون ممزقون، تركيا تنهكها الحروب والمظالم، والعرب تحت سنابك خيل العدو صامتون، والكفر ملة واحدة، والمسلمون ملل عدة، وبذلك تستطيع أن تفسر لماذا يكون النصر، ولماذا يكون الهزيمة.

إني أتذكر هذه الكلمات جيدا، وكلمات أخرى كثيرة كان يرددها خوجة نياز والجنرال شريف خات وغيرهما، كانوا مؤمنين شجعانا، وفي ساحة الموت لقوا الله دون خوف، لا شك أن مجيئي لها القصركان نزوة من نزوات الشيطان، ويجب أن أرحل، يجب أن أرحل على الفور، لكن بعد أن أفعل شيئا، مقابل الوقت الذي أضعته هنا، وبعدها أسرع بالذهاب إلى الرجال بالجبال.

يقال إن البطل العظيم عثمان باتور أحد رجالنا الشجعان يجمع الرجال ويستعد لثورة جديدة، فلماذا أبقى هنا؟

وحاولت نجمة الليل أثناء غياب زوجها أن تطمس المعاني التي تختمر في قلبي ورأسي لكني كنت أقاوم، كان من الصعب أن أقاوم، فلنجمة الليل إغراء من وع قاتل، إن سيطرتها على الضابط هذه السيطرة العجيبة لا تعني سوى أنها امراة في غاية القوة.

وعاد الضابط بعد يومين، كان مرهقا منزعجا، سمعته يقول لها:

-                 إننا على أبواب متاعب جمة.

-                 لماذا؟

-                 عثمان باتور والثوار بدأوا حرب العصابات.

-                 وماذا يضيرك، هل تظن أنهم قادرون على هزيمتكم؟

-     إنهم يداهمون المراكز الصناعية، ويخطفون الضباط، ويقتلون الكثيرين، لو كانوا في معركة مكشوفة لأمكن القضاء عليهم.

وبدا في عينيها بريق الفرح لكنها اخفته، كان منهمكا في الطعام والشراب غارقا في التفكير، وفي المساء علمت أنها خرجت معه وحدهما للتنزه في إحدى الحدائق الخاصة، وطال بقاؤهما في الخارج، لكن عند منتصف الليل عادت تصحبها ضجة كبرى، وامتلأ القصر بالضباط ورئيس الاستخبارات، ماذا جرى؟ لقد أصيب زوجها برصاصة قاتلة.. فحملوه إلى القصر، وهي تبكي وتصرخ وتشد شعرها، وتقول:

-     لقد رأيت القاتل ... لقد أطلق الرصاص وركب جواده وهرول صوب النهر.. أستطيع أن أميزه من بين عشرة آلاف...

وكانت تصيح وتولول، وبان الغضب والضيق في أعين الحضور، وأخذوا يستجوبون الأرملة الحزينة وهي غارقة في دموعها، كانوا يحاولون تهدئتها، لكنها كانت تحرضهم على الثأر والانتقام، واعتقال كل المشتبه فيهم في أورومجي.

وقال رجل الاستخبارات:

-     هذا هو الحادث الثالث اليوم في أورومجي، إن رجال عثمان باتور يثيرون الاضطرابات، لا حل سوى العنف، والمزيد من العنف، لقد قلت يجب أن نقتل كل تركستاني يشتبه في أمره، لكنهم يرفضون وجهة نظري أن جميع التركستانيين مشتبه في أمرهم، أنا أعرف كيف ألتقط الخونة، لن أترك هذه الأحداث تمر ون عقاب، وقد أعلنا حالة الطوارئ في أورومجي.

 وكانت نجمة الليل في حالة من الحزن والألم والتعب يرثى لها، لكن الغريب أن الكثيرين من رفاق القتيل كانوا يروحون ويجيئون ويقدمون التعازي لنجمة الليل، وكنت أرى في عيونهم الفرح والأمل، الكثيرون كانوا يطمعون فيها بالرغم من أن دماء القتيل لم تجف بعد، وقررت نجمة الليل في النهاية أن تعتكف في بيتها أسبوعا لا تقابل فيه أحدا، وكثرت الإشاعات في المدينة، وسادها جو من الخوف، وكان الضباط الأجانب يعانون من ضيق شديد، وبدا الأسود والنمور كالأرانب، لقد كنت على وشك الرحيل من ذلك القصر، لكن هذا الحادث أخر رحيلي، حسنا يجب أن أنتظر، وذات مساء وجدتها تدخل غرفتي، انتفضت واقفا وأنا أهمهم:

-                 سيدتي.

نظرت إلي بعينين ثابتتين لا تطرفان:

-                 ألا تعرف القاتل؟

-                 من؟

-                 حسنا، أنا الذي قتلته.

-                 أنت يا نجمة؟

ضحكت في شماتة وقالت:

-                 نعم، أتدري لماذا؟

كانت تتحدث في توتر، وكنت مذهولا لحديثها، فلم أنطق بكلمة واستطردت وهي تقول:

-     لقد قاد كمينا أوقع بعشرة من الثوار، كانت عملية رهيبة، لقد اعترف لي بنفسه، وبرر ذلك بأنه لا يستطيع مخالفة الأوامر، لقد وعدني قبل ذلك أن يتفرغ للإمدادات التموينية، وليلتها لم أنم، حاول مضاجعتي، لم يبد عليه أدنى تأثر أو انفعال، كان يمرح ويحك وكأنه لم يفعل شيئا، وتصورت.. ماذا لو كنت أنت يا مصطفى مراد حضرت أحد هؤلاء الثوار العشرة، أخذته، قلت لنحتفل بانتصارك ونشرب النخب، كان سعيدا، وروى الكثير من العمليات الناجحة، وعما أعدوه للثوار، إن عثمان باتور يسبب لهم إزعاجا كبيرا..

آه ، ونزلنا إلى الحديقة، ومررنا بجوار السور من الداخل، تناولت مسدسا، واجهته، لم أهاجمه من الخلف، قلت إنني أحاكمك، أنت خائن، والقتل جزاء الخيانة والغدر، أخذ يقهقه، كان يظن أنني أمزح، صرخت فيه كمجنونة، اثبت مكانك، الجريمة الكبرى هي الكذب، كذبت حينما زعمت أنك مسلم، فلم تصل ركعة واحدة، وكذبت حين قلت إنك تكره الحرب، أنت لم تكن سوى حيوان، وأنا بالنسبة لك كالكأس التي أدمنتها ولا يمكنك الاستغناء عنها، ..قف.. لا تتحرك، لقد شحب وجهه، ركع على ركبتيه، رأيت في عينيه الموع، تصور أنه كان يبكي، لشد ما تلذذت ببكائه، ما الذي أتى بك في بلادنا؟ أغمض عينيه وقال متوسلا:

-     أنا أحبك يا نجمة، لم أحب أحدا مثلما أحببتك، أعدك بشرفي ألا أعود لمثلها لوو طردوني من الجيش، أنت كل شيء في حياتي.

ضحكت وضغطت على الزناد وأنا أقول:

-     وأنا أحبك، وقتلي لك يطهرك من قاذورات وخطايا كثيرة. خذ..خذ...خذ..خمس طلقات بعدد التعساء الذين راحوا ضحيتك.

وانهمرت دموعها:

-                 ماذا يقول أهل قومول عني لو عرفوا ما حدث؟

ثم جرت إلى الخارج، وعادت وفي يدها كأس:

-                 معذرة، الملعون عودني على شرب الخمر، ولسوف نتزوج يا حبيبي، ولكن كيف؟

ورمت الكأس، ثم أخذت تقول وهي تقهقه في عصبية:

-                 أحد أصدقائه ألمح لي بالزواج، أحد أصدقائه المخلصين، تصور الضباط هنا قلوبهم من أحجار.

وقضينا أيما تعسة، كان رئيس الاستخبارات في أورومجي يسوق الأبرياء المشبوهين إلى المعتقل، وكل يوم كان يعدم واحدا أو اثنين بحثا عن القاتل، ومن آن لآخر كانوا يأتون إلى نجمة الليل ويعرضون عليها بعض الثوار أو المشتبه فيهم فتنكر أن أحدهم هو القاتل، وزادت عمليات القمع والسجن واشتدت حالة الطوارئ وحدها بل في كافة المدن الكبرى، كما ازداد نشاط الثوار.

وذهبت إلى نجمة الليل ذات مساء وقلت لها:

- ها قد انتهت فترة الحداد، وأرى أن تقيمي حفلا راقصا كبيرا وتدعين فيه نخبة من الكبار، بهذه الطريقة نلقي ستارا على الحادث القديم وينتهي هو وقصته، ورأيي على أن تحرصي على أن تعلني خطبتك على ذلك الصيني الذي يريدك.

قالت في غيظ:

-                 لقد قتلته لأني أريدك.

-                 وأنا أريد هذا الحفل إن كنت تحبينني حقيقة..

-                 لماذا؟

أمسكت بذراعيها البضة وجذبتها نحوي بشدة ثم ضممتها إلى صدري قائلا:

-                 حبيبتي، يجب أن ننتقم للأبرياء.

-                 كيف؟

-                 لدي شحنة ضخمة من المتفجرات أرسلها الثوار.. وعندما يكتمل الحفل سنحيل القصر إلى جحيم.

هزت رأسها:

-                 ونحن؟

-                 سنتركهم غارقين في الخمر والرقص والغناء، فإذا ما ابتعدنا عن القصر وى الانفجار.

-                 وإلى أين نذهب:

-                 إلى الجبال، هناك عثمان باتور والرجال الشجعان.

أشرق وجهها بالفرح، وأخذت تقبلني من كل مكان وأخذت أغمغم:

-     الطباخة العجوز يجب ان نبعث بها بعيدا قبل الحادث، وسائق العربة ذلك المنغولي التعس يجب أن نجد له مخرجا ، والصبيان الذان يخدمان سنبعث بهما إلى الحديقة ليعدا غرفة خاصة طالما لهوت بها أنت وهو..

وفي الليلة الموعودة، كان الليل دامسا، وركبنا جوادا قويا، وانطلقنا في عتمة الليل القارس، ونظرنا خلفنا فإذا القصر كتلة من النيران المشتعلة، وإذا المكان من حوله يضئ وإذا الصراخ وصفارات الإنذار تتوالى، وبعد ساعة كنا على مشارف الجبل.

قلت وأنا أنزلها من فوق الجواد:

-                 الجبل يا نجمة الليل سيظل مملكة الأحرار، المناضلين.

قالت وهي ترتجف من البرد:

-                 لشد ما أنا سعيدة.

ضحكت قائلا:

-                 يجب أن تبحثي لنفسك عن ثياب خشنة.

وسألتني نجمة الليل فجأة:

-                 لكن لماذا فكرت في هذه العملية الجريئة في هذا الوقت بالذات؟

قلت وأنا أسحب الجواد إلى منعطف ضيق آمن:

-     ليست هذه هي المرة الأولى، طوال إقامتي في أورومجي كنت أقوم بعمليات مشابهة، كنت أتحرك بأوامر عثمان باتور.

نظرت إلي ساهمة وعيناها محملقتان..

-     ولو لم تفعلي ما فعلت في زوجك وفي حادث الليلة لكان مصيرك كمصير هؤلاء الذين يحترقون بنيران غدرهم وظلمهم.

صرخت قائلة:

-                 ماذا؟ أكنت تقتلني؟

تذكرت قصة الضابط وخاتون، وهتفت:

-                 أنا أبوها.

لم تفهم نجمة الليل شيئا، وانصرفنا إلى أحاديث أخرى، عن السفر الطويل ولقاء عثمان باتور قائد الثورة في الجبال...